من مكتبات سور الأزبكية إلى كنوز الجامع المعلّق… الكتاب… رحلتي

منذ أن كنت أتابع دراستي الجامعية في القاهرة دأبت على التردّد إلى "دار الكتب المصرية" في حيّ "باب الخَلْق"، وفيها مركز "تحقيق التراث" الذي يحتوي على أكثر من عشرة آلاف مخطوط، منها الكثير بخطوط مؤلفيها، مع نُسَخٍ مصوَّرة عن المخطوطات الأصلية المحفوظة بمكتبات فرنسا، وإنكلترا، والفاتيكان، وتركيا، وغيرها، إلى جانب آلاف الوثائق والوقفيّات والصكوك التاريخية النادرة، فكنت أجالس كبار المحقّقين لكُتب التُراث، وقد تحلّق حول كل محقّق مجموعة من التلامذة يدرسون عليه، عملياً، كيفية قراءة المخطوط وتحقيق نصوصه. ولا أبالغ إذا قلت إنني قرأت جميع ما في المركز من مخطوطات في فنّ التاريخ، والطبقات، ومعاجم الشيوخ، والأدب، والرحلات، والمعارف العامّة، وهي بالآلاف من المجلّدات، ومنها على سبيل المثال، كتاب "عقد الجُمان في تاريخ أهل الزمان" لبدر الدين العَيني، وهو في سبعين مجلداً، وكتاب "تاريخ دمشق" لابن عساكر الدمشقي وهو في 46 مجلداً، وقد قرأته مرّتين، وكتاب "تاريخ الإسلام ووَفَيَات المشاهير والأعلام" للحافظ الذهبي، وهو في خمسة وثلاثين مجلّداً، وقد حققتُه بكامله خلال ثلاثة عشرة عاماً، وصدر في 52 مجلّداً، وجاء في أكثر من إحدى وثلاثين ألف صفحة.

وحين بدأت التحضير لرسالة "الماجستير" عن الحياة الثقافية في طرابلس خلال العصور الوسطى، أخذت أتردّد يومياً على "دار الكتب" ذات الخمسة ملايين كتاب بين عربي وأجنبي، فكنت أقرأ وأنسخ كل شيء يتعلق بمدينة طرابلس في كل المجالات، تمهيداً لإعداد رسالة الدكتوراه عنها أيضاً، وزاد ما نسخته عن المخطوطات والكتب المطبوعة قديماً والنادرة على الألفين من الصفحات. علماً بأن الكتابة في مركز تحقيق التراث كانت - ولا تزال - مقتصرةً على قلم الرصاص فقط، ويُحظَّر الكتابة بأقلام الحبر السائل، أو أقلام الحبر الجافّ خشية تشويه المخطوطات.

وبدأت منذ سنة 1956 أشتري الكتب والمصادر الأساسية من عشرات المكتبات المنتشرة في شوارع القاهرة، وأُحضرها معي إلى طرابلس كل بضعة أشهر، كنت "مُدمناً" على الالتفاف، يومياً على المكتبات الشعبية حول سور "حديقة الأزبكية" في قلب القاهرة، فأشتري منها كتباً نادرة، وقد اشتريت في بعض الأيام الجزء الأول من كتاب "السلوك لمعرفة دول الملوك" للمؤرّخ المَقريزي في طبعته الأولى سنة 1936، وحين عدت إلى منزلي في حيّ "العجوزة" بالقاهرة أخذت الكتاب لأتصفّحه. وإذا بي أفاجأ بأنني اقتنيت نسخةً نفيسةً لا تُقدّر بثمن، حيث وجدت أنّ هذه النسخة هي نسخة الأديب الكبير "عباس محمود العقّاد" إذ هي تحمل اسم محقّق الكتاب، المرحوم "محمد مصطفى زيادة" وتوقيعه المؤرّخ بسنة 1936 وهو يُهديه إلى الأديب "عباس محمود العقاد" وعلى الصفحة المقابلة كُتب اسم "علي آل ثاني" من أمراء الأسرة الحاكمة في البحرين، ولا أدري كيف تنقّلَت هذه النسخة حتى استقرّت في مكتبتي.

وأثناء مطالعتي وقفتُ على معلومة في بعض المراجع تذكر الموقعة البحرية المشهورة باسم "موقعة ذات الصواري"، وهي التي جرت بين الأسطولين الإسلامي والبيزنطي، وأشار مؤلف الكتاب بالحاشية إلى مصدر معلومة تتعلّق بطرابلس وترتبط بالموقعة، والمصدر هو "تاريخ المنبجي" ففتّشت عن هذا الكتاب في دار الكتب المصرية فلم أجده، وكذلك في جامعة القاهرة والمكتبات المصرية الأخرى وفتّشت عنه في مكتبات لبنان، بالجامعة الأمريكية والجامعة اليسوعية، والمكتبة الوطنية، فلم أعثر عليه، وفتّشت عنه في مكتبات طرابلس الغرب وبنغازي أثناء إقامتي للتدريس هناك، فلم أوَفّق، وفتّشت عنه في مكتبات دمشق وحلب وغيرها، فلم أجده، إلى أن أسعدني الحظ بالعثور على نسخة لا ثانية لها وجدتها في مكتبة "المُثنّى" ببغداد سنة 1974 وهي مطبوعة ببلجيكا، ودفعت ثمنها في ذلك الوقت سبعة دنانير عراقية، أي أكثر من عشرين دولاراً حسب أسعار ذلك العام. وقد تملّكتني سعادة غامرة عندما حملت الكتاب بين يديّ، ووقفت على المعلومة المتعلّقة بطرابلس فيه، فالكتاب يُعتبر المصدر الأساس والوحيد الذي يروي حادثة إحراق الأسطول الإسلامي في ميناء طرابلس على عهد "معاوية" وهو يبينه استعداداً لتلك الموقعة، ونظراً لأهميّة هذا الكتاب ونُدرته فقد قمت بتحقيق القسم الخاص بالتاريخ الإسلامي منه، وأصدرتُه عن "دار المنصور" التي أسّستُها مع فايز سنكري وحسين ضنّاوي وناصر جرّوس في سنة 1986.

أما رحلتي مع اقتناء المخطوطات فبدأت منذ عام 1972 حيث جاءتني أول مخطوطة في الفقه، أهداها لي صديقي الأديب الشاعر سليم الرافعي وكان يعمل معي في دائرة أوقاف طرابلس الإسلامية.

وفي عام 1974 جاءني إلى بيتي شيخي في تجويد القرآن الكريم محمد المملوك، ويُعرف ب"أبو العبد" وذلك بعد عصر أحد أيام الصيف، وقال لي: أعرف أنك تهتمّ بالكتب، وقد كنتُ أصلّي العصر في "الجامع المعلّق" فإذا بي أرى قيّم الجامع حسن الكُوت - رحمه الله - يقوم بتفريغ غرفة الإمام من كميّة ضخمة من الكتب القديمة، والمصاحف، والرَبعات، والأوراق، ويجمعها في أكياس كبيرة من الخَيش بقصد إحراقها خارج الجامع، فأسرعتُ إليك لأخبرك علّك تراها وتجد فيها ما يفيدك. فأسرعت من فوري إلى الجامع، وكان لا يبعد عن بيتي كثيراً، وحين وصلت إلى بابه، وجدت القيّم قد ملأ ثلاثة أكياس كبيرة، وهو يهمّ بإنزالها على درج الجامع، فاستوقفته، وطلبت منه أن يُمهلني بضع دقائق لأبحث فيها، فأظهر الامتناع والتأفّف، وهو في عجلة من أمره، ويريد أن ينتهي من عمله قبل مغيب الشمس، فألححتُ عليه، وأغريته ببعض الليرات، فسمح لي بأن أُفرغ الأكياس على مَضض، وآخذ منها ما أريد ووجدت نحو عشرة كتب، منها ما هو مطبوع نادر، ومنها ما هو مخطوط، في الفرائض والفقه، والمنطق، والأدب، وغيره، وبين هذه المخطوطات "جوهرة الفرائض" و"الكواكب الدرّية في الفنون الأدبية" للشيخ حسين الجسر، وبعض أجزاء القرآن الكريم.

وتبيّن لي بعد ذلك، أنّ هذه الكتب والمخطوطات هي من مكتبة الشيخ أحمد منير بن عبد الرحمن الكمالي، وكان إماماً للجامع قبل نحو مئة عام، وبقية غرفة مكتبته مقفلة مهملة إلى عام 1974.

وفي عام 1979 كتب أحد الباحثين الأدباء مقالة في جريدة "النهار" البيروتية يتساءل فيها عن شخصيّة محمد بن خليل بن إبراهيم المعروف ب"أبي المحاسن القاوقجي" المتوفّي عام 1305 هـ (1887 م) وعن مؤلّفاته، وسيرته، فكتبتُ ردّاً على مقالته في الجريدة نفسها بعد أقل من أسبوع، وأوضحت مكانة هذا العالم الطرابلسي الجليل الذي كان مُسنَد عصره في الحديث، وعليه مدار الأسانيد في بلاد الحجاز ومصر والشام، وله أكثر من عشرين ألف مُريد في مصر، وصنّف نحو 200 كتاب، منها المطبوع ومنها المخطوط. وقد استغرقت مقالتي ثلاثة أرباع الصفحة، فاطّلع عليها حفيده رياض بك القاوقجي، وكان يتولّى منصب قائمقام الكورة، ثم أصبح محافظاً لطرابلس ومحافظة لبنان الشمالي بالإنابة، فأعجبته المقالة وأراد أن يكافئني عليها، فأتصل بي هاتفياً وشكرني واصطحبني بعد أيام قليلة إلى منزل والدته، وهو قريب من بيتي الحالي، في ساحة الأشرف خليل بن قلاوون، وأطلعني على مكتبة صغيرة موضوعة في أحد ممرّات المنزل، فإذا بها آلاف الأوراق الممزّقة والمتلفَة، وقد لعبت بها الحشرات والأَرَضَة، وبادرني بالقول: "هذه مخلّفات "أبو المحاسن" فإذا وجدتَ فيها شيئاً يفيدك فهو لك". وفتّشتُ بين الأوراق والمجاميع التي علاها التراب، وأهملتها العناية، وإذا بي أجد ثلاث مخطوطات، وعدّة حُجج من العهد العثماني، فضممتها إلى مكتبتي، ومنها "معدن اللآلي في الأسانيد العوالي"، في الحديث.

وفي عام 1985، اشتريت من الشيخ المعتصم بالله الزعبي، إمام وخطيب الجامع المنصوري الكبير بطرابلس، ما بقي عنده من مكتبة أبيه الشيخ علي، ومكتبة جدّه، نقيب أشراف طرابلس، الشيخ عبد الفتاح الزعبي، وفيها نحو 150 كتاباً مطبوعاً، ومجاميع من المجلاّت القديمة، مثل "المقتَطَف" المصرية، ومجلّة "المباحث" التي كان يصدرها جُرجي ينّي الطرابلسي، وهو يونانيّ الأصل، ومجلّة "البيان" وكان يصدرها الشيخ جميل عبد القادر عدرة الطرابلسي المدرّس في الجامع المنصوري الكبير، وشيخ الفقه الحنفي بالقسم الشرعي في دار التربية والتعليم الإسلامية، وكان شيخي - رحمه الله - ووجدت في مكتبة الشيخ الزعبي 15 مخطوطة ذات الموضوعات المختلفة، منها "كشف اللثام عن أحوال الشام" لمؤلّف طرابلسي من آل عَبَس، وثلاثة مجاميع، وبذلك جَمَعَت مكتبتي عدداً متواضعاً من المخطوطات، وآلاف المصادر الأساسية من كتب التاريخ وغيره.

وتعميماً للفائدة، فقد قامت بعثة من معهد المخطوطات العربية بالقاهرة بزيارة مكتبتي في صيف العام الماضي 2001 وصوّرت المخطوطات التي بحوزتي بطريقة "الميكروفيلم" ووضَعَتها بتصرُّف الباحثين في المعهد، وهو إحدى المؤسّسات الثقافية التابعة لجامعة الدول العربية. وفي مجلّة معهد المخطوطات العربية، في الجزء الأوّل من المجلّد 54 الصادر في شهر أيار 2001 بالقاهرة، تصدَّرت الدراسة الخاصة عن "مخطوطات مكتبة د. تدمري في طرابلس الشام" العدد المذكور.

هذه رحلتي مع الكتاب باختصار.

أما في شأن رحلتي مع تاريخ طرابلس والاهتمام بآثارها، فإلى لقاء آخر.

تكيّة الدراويش المولويّة في بداية القرن الماضي

على خطى المقريزي.. ومع الشكر لجاري نجيب محفوظ! دفتر طرابلس..

لا أدري ما هو الدافع القويّ الذي كان يتملّكني وأنا في نحو الخامسة عشر عاماً من عمري، لأن أقوم بين يومٍ وآخر بالخروج من بيتا - سابقاً - في "زقاق القاوقجي" بساحة الدفتار (الدفتردار)، وأصعّد سيراً إلى "أبي سمراء" حيث "الشلفة" (الشُرفة) تارةً، وإلى "القُبة" تارةً أخرى، وأتّخذ من لوحة "مدينة طرابلس" المثَبّتة عند "حدودها" نقطة انطلاق للانحدار نحو المدينة، وأنا أسابق نفسي مشياً إلى أقصى نقطة في مدينة "الميناء" عند "الحمّام المقلوب" ثم أعود إلى البيت.

وكنت أسير - أحياناً - من بيتنا إلى "بركة البدّاوي" شمالاً، أو إلى "أبو حلقة" جنوباً.

واستمرّ هذا دَأبي بضع سنين. وكنت وأنا أُجدّ السير أسأل نفسي: لماذا أسير هذه المسافات؟ وما الهدف؟ فلا أجد جواباً، غير أنّ أمراً ما كان يحفّزني كل يوم لأن أذرع المدينة طولاً وعرضاً دون أن أعرف كُنه الدافع إلى ذلك.

وقُبيل العشرينيّات من عمري، طرأ تحوّل على برنامج سَيري، إذ وجَدتني أتجوّل في أرجاء المدينة فأطوِّف في شوارعها الحديثة في أواخر الخمسينيات ومَطلع الستينيات - من القرن المنصرم - وأراني أعُدُّ طبقات المباني التي كان أقصاها يرتفع إلى سبع طبقات، وأكرّر العَدّ أكثر من مرة في كل جولة للتأكّد، ثم أعدّ لوحات الأماكن التي تُضاء ب"النيون" أو "الفلورسنت" الملوّن، وكنت أشعر بسعادة بالغة حين أعيد الإحصاء والتعداد بعد أسبوع أو بضعة أسابيع فأجد أنها زادت واحداً، وهذا يعني أن مدينتي في طريق التطوّر والحداثة والاتساع.

وذات يوم، اصطحبت ورقةً وقلماً، وقمت بجولتي المعتادة، وإذا بي أقوم بتدوين أسماء ومواقع الأماكن والمعالم العامّة والمميَّزَة، فكتبت أسماء المصارف، وأسماء المؤسسات الرسمية، وفي يوم آخر قيّدت أسماء المساجد، ثم أسماء الكنائس، ثم المدارس، والحمامات، والخانات، وتتبَّعتُ سبُل المياه. وأخيراً أحصيت دور السينما، والمقاهي، حتى المطاعم، والمصابن، والمطاحن...

وازدادت الأوراق، وتداخلت الأسماء والمعلومات، فاشتريت دفتراً، وقسّمته إلى عناوين لكلّ موضوع، وعدتُ لأطوِّف من جديد في شوارع المدينة، وأسواقها وحاراتها، وأزقّتها، والتثبّت من المعلومات التي جمعتها قبل حين، ووصل بي الأمر إلى التردّد أكثر من مرة على دار السينما الواحدة، لأتمكّن من تعداد مقاعدها في الصالة وفي البلكون (اللوج)، وبيان مَرتَبَتها، إن كانت درجةً أولى أو ثانية أو درجة شعبية، وغير ذلك من تفاصيل، ونحو هذا فعلت في التردّد على المساجد، فكنت أعُدُّ صفوف المصلّين في كل مسجد، وأقيس الحَرَم بالخطوات، وأسجّل من له منبر، أو فيه بركة، ومن ليس له مئذنة، وفيه ضريح.. ورُحت أدوّن كل هذه المشاهدات والمعلومات في دفتر وضعتُ له عنوان "طرابلس".

وهكذا بدأت بواكير اهتماماتي بمعالم مدينتي، واحتفظت بالمعلومات لنفسي، وكنت أعود للدفتر من وقت إلى آخر، فأعدّل فيه معلومة، وأضيف، أو أمحو كلّما طرأ ما يستدعي ذلك من إزالة أحد المعالم، أو استحداث موقع جديد.. ومع ذلك، كنت أسأل نفسي عن جدوى هذا كلّه؟ وأصل في بعض الأحيان إلى الاستخفاف بما جمعت، والاستهانة بما دوّنت، وأنّ ذلك لا يَعدُو كونه مضيعة للوقت، وتسويد للأوراق بما لا طائل تحته، ومع ذلك احتفظت بالدفتر لبضع سنين.

وفي تلك الأثناء التحقت بأزهر بيروت، وكان يقاسمني مقعدي مفتي الجمهورية الآن الشيخ محمد رشيد قبّاني، وأحياناً، مفتي البقاع الآن الشيخ خليل الميّس، وكان ناظر القسم الداخلي الشيخ عمر القَيمَري - رحمه الله - يقدّمني في طابور الصباح لأتلُوَ عُشراً من القرآن الكريم أمام الطلبة قبل أن يدخلوا قاعاتهم، وأُعجب استاذي الشيخ سعدي ياسين (الدمشقي) - رحمه الله - بصوتي وحُسن تلاوتي، وكان صديقاً حميماً لمفتي الجمهورية الأسبق الشيخ محمد علايا - رحمه الله - فأشار عليه أن يرشّحني مقرئاً للقرآن الكريم في الإذاعة اللبنانية، وكان ذلك دون أن أدري.

وفي أعقاب "ثورة شمعون" (1958)، إذ بأحد أصدقائي "عمر العُمري" يأتي إلى بيتنا وهو يحمل نسخة من مجلّة "الإذاعة اللبنانية" ويقول لي: "مبروك لقد صرتَ مُقرئاً في الإذاعة" ودفع إليّ بالمجلّة وفيها موعد إذاعة تلاوتي الأولى لشهر تشرين الأول 1958.

وعدت من بيروت، لألتحق بالقسم الشرعيّ في كلية دار التربية والتعليم الإسلامية بطرابلس وأكملت دراستي الثانوية، وفي تلك الأثناء كنت أقوم بحفظ سوَر من القرآن الكريم، فحفظت ما يقرب من نصفه ترتيلاً وتجويداً مع الأحكام التي أخذتها من شيخي "أبو العبد" ومراجعة المقرئ الشيخ صلاح الدين كبارة - رحمه الله - وكنت أنوب عنه في تلاوة القرآن قبل صلاة الجمعة بالجامع العمري الكبير ببيروت، وتنقلها الإذاعة اللبنانية مباشرة على الهواء بصوت عميد المذيعين شفيق جدايل - رحمه الله - وجلست مع الحَفَظَة المقرئين في غرفة الأثر الشريف بالجامع المنصوري الكبير، أجوّد القرآن الكريم بعد عصر كل يوم من شهر رمضان المبارك لعدة سنين مع الشيوخ محمد نصوح البارودي ومحمد صلاح الدين كبارة، وعلي حرب ومحمود الصائغ، رحمهم الله جميعاً.

وكان الجميع يحثّني على السفر إلى مصر لأدخل "معهد القراءات" وأدرس القراءات السَبع، والقراءات العَشر، وعندما سافرت إلى القاهرة، تَنَازَعَني أمران.

لقد كان والدي - رحمه الله - يرغب أن أدخل "كلية الشريعة" لأكون "قاضياً". فالقاضي له موقعه في المجتمع، وأصدقائي يودّون أن أتخصّص في القراءات وأصبح مُقرئاً مشهوراً مثل عبد الباسط عبد الصمد!

وقدّر لي أن لا أكون لا هذا ولا ذاك، فحين ملأت قسيمة الاختيارات في جامعة الأزهر، قدّمتُ "التاريخ" على الاختيارين الآخرَين، وكان قسم التاريخ والحضارة قد أفتُتح في الجامعة قبل سنة واحدة فقط، من جرّاء التنظيمات والإصلاحات التطويرية التي أدخلها الوزير "الديناميكي" الجديد - آنذاك - للتعليم وشؤون الأزهر، الدكتور محمد البَهيّ، خرّيج جامعات ألمانيا، حيث استحدث قسم التاريخ والجغرافية واللغات والترجمة الفورية، والهندسة والطب وغيرها من كليات، وانتدب للتدريس فيها كبار أساتذة جامعات القاهرة، وعين شمس، والإسكندرية.

وبعد مرور نحو شهر من تقديم أوراقي للجامعة عرفت أنني قُبلت طالباً بقسم التاريخ والحضارة في "كلية الدراسات العربية"، فكان من أساتذتي الكثير من الحائزين على جوائز "عيد العلم" التي كان يمنحها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في كل عام للمبدعين، ومنهم: عبد العزيز الشنّاوي، وعبد العزيز صالح، وعلي عبد الواحد وافي، وإبراهيم أحمد العَدَوي، وصلاح العقّاد، وجلال يحيى، وعبد الحميد بَخيت، وهو أستاذي الذي أشرف على رسالتي للماجستير، ثم الدكتوراه، رحمه الله.

وفي السنة الأولى كان ضمن برنامج دراستنا مادّة آنذاك، "محمد محمد مرسي الشيخ" وهو بدرجة "مُعيد" (أصبح أستاذاً في جامعة بيروت العربية منذ عشر سنوات) أن أكتب بحثاً من خلال كتاب "المواعظ والاعتبار بذكر الخطَط والآثار" للمؤرّخ "المقريزي"، وهو مشهور بكتاب "خطّط المقريزي".

ولما كنت وافداً حديثاً إلى القاهرة، ولا أملك سوى الكتب المقرّرة، فقد قصدت "دار الكتب المصرية" في حيّ "باب الخَلق"، ودخلتها لأول مرة، واستعنتُ ببعض الباحثين ليدُلّني كيف أحصل على الكتاب الذي أريده، وأخذت مكاناً لي، وبعد دقائق جاءني الموظّف ووضع أمامي أربعة مجلّدات ضخام من الحجم الكبير، مطبوعة بمطبعة بولاق، طباعة حجَر، ورحت أتصفّح فهارس الكتاب، وانتقلت إلى قراءة مقدّمة المؤلّف، وقلّبتُ الصفحات.. فاعترتني الدهشة والاستغراب للحظات، وصَحوتُ من مفاجأة لم أكن أتوقعها.. فالكتاب بمضمونه وأسلوبه ومنهجه مشابه لدفتري بأوراقه المتواضعة، و"المقريزي" أحد أعلام المؤرّخين المشاهير يطوف في كتابه، ويصف خطَط مدينة القاهرة وآثارها، ويُحصي أسواقها وشوارعها ومحلاّتها ودروبها، ويؤرخ لمعالمها، ويذكر أسماء بُناتها، ويأتي على ذكر كل خطّة على حدة، ويذكر ما فيها من جوامع،ومدارس، وقصور، وحمّامات، وخانات، وسُبُل مياه.. وغير ذلك من مواقع قديمة، ويعرّف بأصحابها.. ورأيتني أسرح بخيالي إلى طرابلس، مستحضراً ما جمعته في دفترها، وقلت بصوت سَمَعَه من حولي في القاعة: "يا سُبحان الله" أيّة صُدفة هذه!!

لقد أيقنت حينها أن ما كتبته في رَيعان الصِبا لم يكن بدعاً،وأنّ تجوالي وطوافي في أسواق طرابلس ودُرُبها لم يكن لهواً ولعباً، بل كان إرهاصاً واستشرافاً لما هو آت. فها هو "المقريزي"، البَعلبَكيّ الأصل، المصريّ المولد، يتجوّل في صباه في أرجاء القاهرة المملوكية يقيّد ما رآه قائماً من العصر الفاطمي، والعصر الأيوبي، وعصره المملوكي.. وكأنّني - بعد نحو 600 عام - ودون أن أدري، أحذو حَذوَه، خَطوة خَطوة، وأتبعه قذّة قذّة، هو في القاهرة عاصمة سلاطين المماليك، وأنا في طرابلس عاصمة نيابة السلطَنة المملوكية.

وحبِّب إليّ علمُ التاريخ منذ ذلك الوقت، وبدأت أهتمّ بشراء الكتب، وكنت أقتَصد ما يرسله إليّ الأهل من مصروف مع ما يأتيَني من مكافآت على تسجيلات التلاوة في الإذاعة اللبنانية، وعشت مع مصنَّفات المؤرخّين الموسوعيّين، ساعات وأياماً وشهوراً طويلة وسنين، ولا أزال، وكان أكثر ما يدهشني ويستحوذ على ذهني في آن معاً، تلك الغزارة المدهشة عند عشرات المؤرخّين العمالقة، وقد ترك كلُّ منهم أكثر من مئة، أو مئتين أو ثلاث مئة كتاب في شتّى المواضيع والعلوم، وبعضهم أربَت مصنّفاته على الأربعمئة والخمسمئة كتاب، أمثال "السَيوطي" و"ابن حجر العسقلاني" و"السخاوي" و"المقريزي" و"ابن منظور" و"ابن تيمية" و"النُوَيري" و"الصفدي" و"الذهبي" و"ابن عساكر" الذي أمضى 40 عاماً يجمع مادة كتابه "تاريخ دمشق"، وكان يكتب 40 صفحة في اليوم الواحد، وجاء كتابه في 80 مجلّداً.

وتهيّبت الأمر لمجرّد التفكير، ولكنّني حلمتُ، فهل يُحاسب المرء على أحلامه؟

وفي ربيع عام 1963 كان لي موعد مع يوم سعيد لا أنساه لما فيه من مصادفات طريفة اجتمعت في ساعة واحدة، حيث كنت أسير بعد العصر، في شارع "الألفّي" وأنا أحدّث نفسي، كيف لي أن أحصل على كتابي "النجوم الزاهرة" و"صُبح الأعشى" وقد أجهدني البحث عنهما ولم أعثر عليهما في المكتبات لنَفاد طبعتهما من دار الكتب المصرية، وإذا بسيارة نقل تقف فجأةً على بعد أمتار منّي أمام مكتبة ميدان "التوفيقية" وينزل منها العمّال مجاميع من الكتب المحزومة بالحبال على الرصيف، فأسرعت إلى المسؤول عن المكتبة وسألته عن أسماء هذه الكتب وهل هي للبيع، فأجابني بالإيجاب، وفيها: "النجوم الزاهرة" لابن تغري بردي، و"صُبح الأعشى" للقلقشندي، "ونهاية الأرب" للنُويري، و"الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني، ومجموعها يزيد على 75 مجلداً، فاشتريتها وقد صَدَرَت ووصلَت للتوّ من المطبعة سنة 1963، وفي تلك اللحظة وصل "الترولّلي باص" وتوقف أمام المكتبة حيث توجد عندها محطة للركاب، وكان على غير عادته غير مزدحم، فساعدني "الكومسري" بنقل الكتب إلى الحافلة، ووجدت مقعداً خالياً - على غير المتوَقّع - فجلست، وإذا بي أجلس بجوار الكاتب والأديب نجيب محفوظ، وهو يسكن قريباً من بيتي في حي "العجوزة"، وكنت التقيه كل يوم تقريباً في الصباح عند محطة الحافلة، في طريقي إلى الجامعة، والتقيه عندما أعود من الجامعة فنسير معاً في الشارع الذي نسكن فيه، دون أن يكلّم أحدنا الآخر، ولكنّه بادرني هذه المرّة فسألني عمّا أحمل، فأخبرته، فقال: "ما شاء الله، عايز تكون مؤرّخ ولاّ أديب، ودول حتحملهم وحدك"؟! فقلت: "اعمل إيه، المُحبّ يركب الصعب يا أستاذ نجيب" فقال: "ما تحملش همّ، أنا هاشيل معاك على قدّ ما أقدَر"، وإذا بصوت أحدهم من خلفي يقول: "وأنا رُحتُ فين يا نجيب بيه؟ دَه الجار للجار"!

فالتفتُّ ورائي، وإذا بالمتحدّث هو الممثّل والفنّان صلاح قابيل، رحمه الله، صاحب خصلة الشعر البيضاء التي اشتعلت شيباً في غرّته، وكان يسكن بمفرده في الطابق الثاني من البناية التي أسكن في طابقها الثالث، ولم أكن ألتقيه إلاّ نادراً، وتجاذبنا أطراف الحديث، إلى أن نزلنا عند الموقف، وحمل نجيب محفوظ من الكتب ما تيسَّر له، وحمل صلاح قابيل مجموعة من أخرى، مسافة مئة متر حتى ميدان محمد شاهين حيث أسكن، وشكرتُهُما، ودخلت بيتي، وكدت أطير من الفرح لحصولي على الكتابين مع كتابين آخرين، وسهولة إيصال الكتب في أيسر طريق وأسهله.

وبدأ حُلمي يكبُر يوماً بعد يوم في أن أضع كتاباً عن طرابلس...

ولكنّ، كيف؟ ومتى؟ وعن أيّ شيء؟

أسئلة لم أكن أجد أجوبة عليها، ولكنّها بقيت مُلِحّة.


.. وكنت شاهداً على الاطاحة بالملكية السنوسية صباح الفاتح من أيلول! طرابلس الشام.. طرابلس الغرب

في أوائل سنة 1967 صدر للدكتور "سيّد عبد العزيز سالم"، أستاذ التاريخ في جامعة الإسكندرية،كتاب بعنوان: "طرابلس الشام في التاريخ الإسلامي" فاشتريته وقرأته بنَهَمٍ شديد، في خمس ساعات، وعدت فقرأته في اليوم التالي، ثم قرأته مرّة ثالثة، ورابعة، وخامسة.. وفي كل مرة كانت تغمرني سعادة ممزوجة بالرهبة.. سعادة المُتعة بقراءة كتاب عن تاريخ مدينتي، التي لَطَالَما سمعت من والدي - رحمه الله - ومن كبار السنّ من الطرابلسيّين، أنها بلد النضال والعروبة والقومية، وبلد مقاومة المحتلّ والمستعمر، وبلد البطولات والانتصارات، وبلد العلم والعلماء... ورهبة مُثبّطة لعزيمتي ورغبتي وحُلمي في تأليف كتاب عن طرابلس يحيط بهذه العناوين أو بعضها.. إذ خطف الأستاذ "سيّد" حُلمي بإصدار كتابه ذي الستّمئة صفحة، وكاد الإحباط أن يصرفني عن متابعة البحث وجمع المعلومات التاريخية.

ولكنّ الأفكار والتساؤلات الكثيرة التي كانت تَتَنازعُني، ألقَت على كاهلي عبئاً ثقيلاً بتُّ أرزح تحته، وكدت أركن إلى الاستسلام وصرفَ النظر عن الموضوع الذي حلمت به، وكانت نواتُه "دفتر طرابلس"، إذ ما الفائدة من ضياع وقت في جمع مادّة سبقني إليها أستاذ معروف وصل كتابه إلى لبنان، ونفدت نُسَخَهُ من مكتبات طرابلس في فترة وجيزة؟

وماذا سأضيف جديداً على كتابه لأُقنع نفسي أولاً، ثم أُقنع مجلس الكلية للدراسات العليا بالموافقة على رسالتي ل"الماجستير" أو "الدكتوراه"؟

وقبل هذا وذاك، من سيهتّم بقراءة كتاب لطالب مغمور لا تجربة له في عالم التأليف، وقد سبقه إلى ذلك أستاذ مصريّ متمرّس له عدّة مؤلّفات ودراسات "أكاديمية"، وتخرّج عليه مئات، بل آلاف الطلبة في مصر؟

ولكنْ، قبل أن أقنط واستسلم لليأس، كنت أقول: كيف يؤلّف "مصريّ" عن طرابلس، وأنا ابن هذه المدينة أعجز عن ذلك؟ إذاً، لماذا اخترتُ دراسة التاريخ؟

لقد بات الحُلم بأن تكون رسالتي للدراسات العليا عن طرابلس ليس مجرّد أُمنية فحسب، بل تحوّل الآن ليصبح بمثابة الواجب الذي أَمْلَيتُه على نفسي من باب الوفاء نحو مدينتي التي تنسّمتُ هواءها، وأبصرت النور بين أفيائها، وعشت في أحضانها ورتعت فوق ثراها..

وآليتُ على نفسي أن أؤدّي هذا الواجب مهما بلغت الصعاب، وآثرت التحدّي، وفي شهر أيار من السنة 1967 كانت امتحانات الجامعة تجري ضمن سُرادُقٍ ضخم يضمّ آلاف الطلبة في أرض رملية حارّة بجوار كلّية الدراسات العربية، بحيّ "الدّراسة"، بالأزهر، وفي اليوم الخامس من حزيران كان العدوان الإسرائيلي على مصر، ووقعت "النكسة" فتوقّفت الامتحانات في الجامعة نحو أسبوع ونيّف، وتنحّى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عن قيادة مصر، وعاد عن ذلك تحت ضغط الشعب، ثم استُكمل الامتحان، وكان في يومه الأخير لمادّة اللغة الإنكليزية.

وعُدت إلى طرابلس، وطالت مدّة إعلان النتائج لامتحانات الجامعة أكثر من شهر ونصف الشهر، وكان ذلك مدْعاةً لقلق الأسرة، وبات الأهل، وفي مقدّمهم "خالتي"، رحمها الله، الأخت الأكبر لوالدتي - وكانت تسكن معنا - يظنّون أنني "راسب" في الامتحان، وأنني أخفي عنهم النتيجة، وإلاّ ما هو تفسير مرور ما يقرب الشهرين دون ورود أيّ خبر عن مصر عن ذلك؟ وكان القلق يزداد يوماً بعد يوم، وكنت أرى ذلك على وجوه الأهل، وفي نظراتهم، إلى أن بدأت إذاعة "صوت العرب" القاهرية تذيع أسماء الناجحين في الجامعات المصرية، وفي اليوم المحدّد لإذاعة أسماء الناجحين في قسم التاريخ والحضارة بجامعتي ناديت خالتي لتجلس معي وتسمع النتائج بنفسها وجلس اخوتي من حولها وهم يساورهم الشك، وتنتابُهم بي الظنُون، وراح المذيع يعلن أسماء الناجحين في الإجازة العالية "الليسانس"، إلى أن ذكر اسمي: "عمر عبد السلام تدمري"، لبناني، ناجح بدرجة جيد، وصرخ اخوتي وصفّقوا فرحاً، وانفرَجَت أسارير خالتي واطمأنّت إلى أنني لم أكن أخفي عن الأسرة أمراً، وقبّلْتُ يدها، وصادف أن كانت والدتي خارج البيت آنذاك، وحين عادت كانت خالتي أول من بادرها ببُشرى نجاحي، وكذلك فَعَلتْ مع والدي - رحمه الله - وفي اليوم التالي أشارت إليّ "بغمزة" من عينها، ووضعت في يدي خمسين ليرة هدية النجاح.

عدت إلى القاهرة بعد انتهاء عطلة الصيف واستخرجت من الكلية إفادةً بحصولي على الإجازة العالية، ورجعت إلى طرابلس، بعد بضعة أيام قليلة، التقيت ببعض زملاء الدراسة، فأخبروني أن بعثةً ليبية أتت للتعاقد مع أساتذة من لبنان للتدريس في مدارسها، وعرضوا عليّ النزول معهم إلى السفارة في بيروت في اليوم التالي للاستطلاع، ولم يكن يدور في خَلَدي أن أسافر للعمل خارج بلدي.

وفي اليوم التالي رافقتُ زملائي، ووجدتني أقابل رئيس البعثة الليبية، وكان وقتها سفير المملكة الليبية، فسألني عن تخصّصي، فقلت: إجازة في التاريخ، فتناول أوراقاً كانت على مكتبه وقال: املأ هذه الأوراق، وعُد في اليوم التالي لاستلام التأشيرة وتذكرة الطائرة. وكانت المفاجأة لي عندما غادرت السفارة أن زملائي الذين أتيت معهم لم يُقبَل منهم أحد. وأخبرت الأهل بما جرى، وفوجئوا بالأمر، وكان لسان حالهم يقول: هل كُتب عليك السفر دائماً؟

ونازعَتني نفسي يومها بين البقاء في بلدي وانتظار المجهول، وبين السفر وضَمان عمل يتمنّاه الكثيرون من الخرّيجين أمثالي، ولم يطُل التفكير للاختيار، فالمدّة المحدّدة لي كانت قصيرة، وخلال ثلاثة أيام أمسيتُ في أحد فنادق طرابلس الغرب وبصحبتي الدكتور "كمال الرافعي" و"الشيخ نور الدين اشراقية" رحمهما الله، والأديب الشاعر "سليم الرافعي"، وأقمنا في الفندق عشرة أيام قبل أن يتمّ توجيهنا من قِبَل وزارة التعليم في المملكة إلى المدارس التي سنعمل بها.

خلال المدّة التي أمضيتها في طرابلس الغرب طوّفت بين شوارعها وأسواقها ودخلت مساجدها وكنائسها، ولمست تشابهاً بينها وبين طرابلس الشام، ودفعني هذا إلى كتابة موضوع أجريتُ فيه مقارنة تاريخية بين المدينتين، حيث تشابه الاسم، وتكوّن كلّ مدينة منهما من ثلاثة مواقع جغرافية، ووقوعها على ساحل البحر، وتشابه ظروف الفتح الإسلامي لهما، ووصْف المؤرّخين والجغرافيين والرحّالة، وما قاله فيها الأدباء والشعراء، وما نسبه المؤرّخون الليبيون من أعلام إلى طرابلس الغرب، وهم في حقيقة الأمر من طرابلس الشام.

وأثارت هذه المقارنة دهشة زملائي وإعجابَهم في آن معاً، وكيف دبَّجتُها في هذا الوقت القصير، وليس بين يديّ مصادر أعتمدُ عليها. ووجدت في صالة الفندق عدداً من مجلّة "الإذاعة الليبية"، فكتب عنوانها وبعثت المقالة إليها بالبريد، ولم يمض أسبوع حتى وجدتُ مقالتي تحتلّ ثلاث صفحات من المجلّة في عددها رقم (20) الصادر في 15 نوفمبر - تشرين الثاني 1967، فكانت باكورة مقالاتي في المجلاّت العربية.

كان من نصيبي أن وّجهتني وزارة التعليم إلى "ثانوية سوسة" بمحافظة الجبل الأخضر، و"سوسة" بلدة جميلة هادئة على ساحل البحر تُشبه أنفه أو البترون، عندها حمّامات "كليوباترا" ملكة مصر، وكان يسكنها نحو 3 آلاف نسمة، ثلثهم من جزيرة كريت يتحدّثون اليونانية والعربية. خطّطها الإيطاليون أثناء استعمارهم للمملكة لتكون مدينة نموذجية، وفيها مركز ثقافي يضمّ مكتبة مدينة نموذجية، وفيها مركز ثقافي يضمّ مكتبة تحتوي على أمّهات الكتب المطبوعة في مصر ولبنان، فكنت أرتادها يومياً، أقرأ، وأطالع، وأنسخ، وأكتب.

وفي العام التالي، 1968، عدت إلى القاهرة والتحقت بالدراسات العليا، وكان لزوجتي - وهي من العبّاسية بوسط القاهرة - الفضلُ في متابعة تسجيلي في الكلية، وتأمين الحصول على الكتب والمراجع المقرّرة في الدراسة، وزيارة أساتذتي، وإيصال الأبحاث إليهم.

وفي السنة التالية، 1969، قابلت مدير التعليم في محافظة الجبل الأخضر واستأذنتُه أن يمدّ لي إجازتي الصيفية لأتمكّن من السفر من لبنان إلى القاهرة لأداء امتحان الدراسات العليا، وأعود من مصر إلى ليبيا، فلم يوافق، ولكنّه قال: "سافِر، وعُد إلى المملكة قبل انتهاء العطلة بخمسة عشر يوماً، وأعدك بالسماح لك بالسفر إلى القاهرة".

قضيت إجازتي في طرابلس، وأثناءها نُشرت لي أول مقالة في جريدة "الحضارة" الطرابلسية عن مكتبة "بني عمّار" دار العلم، فكانت فاتحة كتاباتي في الجرائد المحلّية، وتَلَتها كتابات أخرى كنت أرسلها بالبريد من ليبيا.

وعند انتهاء العطلة سبقتني زوجتي إلى القاهر وعدتُ بالطائرة إلى بنغازي، فوصلتها مساء 31 آب 1969، وبينها وبين سوسة نحو 300 كم. فبتُّ في بنغازي، وصحوت عند الرابعة فجراً على صوت الرصاص المتفرّق في الهواء، وصيحات من هنا وهناك، وأصوات مُجنزَرات تجوب الشوارع، وأيقنت أنّ حدثاً خطيراً أو انقلاباً عسكرياً قد وقع، وتأكّد ذلك عندما أذيع البلاغ الأول عند التاسعة من صباح الفاتح من أيلول بقيام الثورة والإطاحة بالملكية "السنوسية" وأعقبه بلاغ ثان بإعلان حالة الطوارئ، ومنع التجوّل، وإقفال الحدود والموانئ والمطارات.

وامتزجت فرحتي بالتخلّص من حكمٍ عميل للغرب، مع قلقي الشديد على إمكانية سفري، فامتحاني بعد 6 أيام، فهل سيُرفع حظْر التجوال خلالها؟ وهل ستُفتَح المطارات والحدود؟ وهل سأجد مدير التعليم الذي وعدني بالسفر؟ وهل سأتمكن من السفر والوصول إلى القاهرة والاشتراك في الامتحان؟

أسئلة كثيرة كانت تؤرّقني وتضغط على أعصابي، وأنا كالسجين في بنغازي، فلم يُرفع حظْر التجوال إلا لساعتين فقط في اليوم، وبقي الحظر حتى يوم الأربعاء فسافرتُ إلى سوسة، وصباح الخميس قابلت مدير التعليم، وصَدَقَ في وعده، وسلّمني كتاباً خاصاً يسمح لي بمغادرة الحدود الليبية إلى مصر لتقديم الامتحان، وأُعلن عن فتح الحدود والمطارات في اليوم نفسه، فعُدْت إلى سوسة ومنها انطلقت بي حافلةٌ تتسع لاثنين وعشرين راكباً، لم يكن فيها سواي وناظر المدرسة، والسائق، ووصلنا مساء الجمعة إلى الإسكندرية، ومنها بالسيارة إلى القاهرة، فوصلتُ إلى بيت أهل زوجتي عند منتصف الليل، ودخلت الامتحان صباح السبت، وحمدت الله على عنايته ولُطفه، وتَكَلّل جهدي بالنجاح.

ولما كنت لا أزال مرتبطاً بالعمل خارج لبنان، فقد آثرت أن يكون موضوع رسالتي ل"الماجستير" موضوعاً مختلفاً عن التاريخ العام لطرابلس الذي صدر للدكتور "سيّد سالم"، فكان موضوعها عن الحركة الثقافية في طرابلس من الفتح الإسلامي حتى نهاية الحروب الصليبية، واعتمدتُ في كتابتها على 230 مصدراً ومرجعاً، عربياً وأجنبياً، منها 29 مخطوطاً. وهذا ما لَفَتَ انتباه لجنة المناقشة، وظنّ بعض الأساتذة أنني أبالغ في ذلك، وأنني حشدت أسماء مصادر دون أن أطّلع عليها، وأراد أن يختبرني، فسألني عن "التاريخ الكبير" لابن عساكر، فأجبته بأنه هو "تاريخ دمشق" لابن عساكر الدمشقي المتوفّى سنة 571 هـ والكتاب مخطوط بيد ناسخ من حلب، وهو في الخزانة التيمورية بدار الكتب المصرية، تحت رقم 1041 تاريخ، تيمور، وتتألّف النسخة من 48 مجلّداً، كلّ مجلّد من 600-700 ورقة، وقد قرأته مرتين، واستخرجت منه مئات الأعلام من الطرابلسيّين أو ممّن أخذ عنهم العلمَ بطرابُلسَ وغيرها. وهذا المخطوط هو واحد من المصادر الأساسية التي لم يطّلع عليها الدكتور "سيّد سالم"، وفيه الكثير من المعلومات التاريخية عن طرابلس في عصر الخلفاء الراشدين والعصرين الأمويّ والعبّاسيّ. وطلب منّي الأستاذ المناقش أن أصف له كتاب "تقويم البلدان" وهو لأبي الفداء، فوَصفته بأنه من الحجم الكبير، ولون جلدته أصفر، وقد حقّقه "رينو" و"البارون دي سلان"، وصدر في باريس عام 1840، وأعادت طباعته مصوّراً مكتبة "المنى" ببغداد، ويباع بالمكتبة العربية في ميدان الأوبرا! ثم سألني عن كتاب "نُخبة الدهر في عجائب البّر والبحر" فوصفته، وكذلك فعلتُ عمّا يقربُ من عشرة كُتب، وانفرجت أسارير أستاذي المشرف الدكتور "عبد الحميد بخيت" رحمه الله، وقال لزميله السائل: "ما تتعبش نفسك يا دكتور، ده هَيبقى مؤرّخ في المستقبل". وخُتمت المناقشة بقول أحد أعضاء اللجنة: "رُوح يا ابني، مبروك، ربّنا يفتح عليك".

كان ذلك في صيف 1971، ولم يُقدَّر لي أن أعود إلى ليبيا، رغم أنّني كنت أكتب المادّة التاريخية لبرنامج إذاعيّ بعنوان "مُدن عربية" كانت أولى حلقاته الأسبوعية عن مدينتي "طرابلس الشام" من الإذاعة الليبية في "طرابلس الغرب"!

Last update: March 29, 2003

© Copyright tripoli-city.org. All rights reserved